Saturday, January 17, 2026

عبقرية الشر


تحت سقف كاتدرائية القديس بولس في مدينة "لييج" البلجيكية عام 1843، أزيح الستار عن تحفة فنية أثارت زوبعةً من الجدل تجاوزت حدود الفن إلى أروقة اللاهوت. كان النحات الشاب "جوزيف جيفز" قد تلقى تكليفاً بنحت تمثال لـ "لوسيفر" (الشيطان) ليوضع أسفل المنبر، فخرجت من تحت إزميله كتلة من الرخام الأبيض النقي جسدت الملاك الساقط في هيئة شاب يضج بالفتنة والجاذبية، بجسدٍ رياضي متناسق وملامح حزينة تستدر العاطفة، مديراً ظهره للقديسين في وضعية تعبر عن التمرد والألم.

سرعان ما تحولت هذه الرؤية الفنية إلى معضلة دينية داخل أروقة الكاتدرائية. فقد وجد رجال الدين أنفسهم أمام "شيطان" يفتقر إلى البشاعة المعهودة، بل يفيض بجمالٍ اعتبروه "سامياً ومفرطاً" (Trop sublime). تعالت الشكاوى بأن هذا التمثال بات مصدر تشتيت لنساء الرعية "الحساسات" اللواتي وجدن فيه إغراءً بصرياً يتعارض مع الخشوع الواجب، ورأى الأسقف أن هذا العمل يمجّد الشر بدلاً من أن ينفّر منه، فصدر القرار الحاسم بإقصاء التمثال من الكنيسة، ليجده الملك الهولندي "فيلهلم الثاني" فرصة لا تعوض، فيشتريه ليضمه إلى مجموعته الخاصة.

وجدت الكاتدرائية نفسها بحاجة إلى "شيطان" جديد، أكثر اتساقاً مع فكرة الرعب والخطيئة، فاتجهت الأنظار هذه المرة إلى الشقيق الأكبر للنحات المبعد، وهو "غيوم جيفز". وجد غيوم نفسه في تحدٍ فني معقد. عليه أن يصنع تمثالاً يتفوق على شقيقه فنياً، وفي الوقت ذاته يرضي ذائقة رجال الدين المتشددة. وفي عام 1848، كشف غيوم عن منحوتته التي حملت اسم "عبقرية الشر" (Le Génie du Mal).

احتفظ غيوم في نسخته بمسحة من الجمال الكلاسيكي، لكنه أثقلها برموز السقوط والعذاب الأبدي. فقد زاد من مساحة الغطاء القماشي على الجسد لتقليل العري، ونحت العضلات بصرامة أكبر لتوحي بالقوة الخبيثة لا الجمال الناعم. ولضمان عدم حدوث اللبس مجدداً، أضاف تفاصيل شيطانية لا تخطئها العين. فظهرت قرون صغيرة تبرز من بين خصلات الشعر المجعد، وأظافر حادة في القدمين، وسلاسل غليظة تكبل كاحله، بينما وضع في يده تفاحة مقضومة وتاجاً مكسوراً عند قدميه كرموز للخطيئة وفقدان الجنة.

نجح الشقيق الأكبر في اجتياز الاختبار، حيث رأت الكنيسة في هذا "الشيطان المعدل" توازراً مقبولاً بين الفن والعقيدة، فوافقت على تنصيبه في المكان ذاته. وهكذا، استقر تمثال "عبقرية الشر" في الكاتدرائية حتى يومنا هذا، شاهداً على واقعة تاريخية طريفة ونادرة.

No comments:

Post a Comment

تعريف الكبائر

  لعل هذا المقطع والتعليقات عليه تدل بما لا يدعو للشك أن غالب الناس لا يملكون متطلبات النقاش العقلاني والمنطقي، منذ أن قاموا ضد محمد شحرور، ...