Saturday, January 17, 2026

الطين بالطين والنار بالنار


يُروى أن الإمام أبا حنيفة في صغره رأى في منامه مشهدًا غريبًا أثار حيرته.
رأى حيوانًا قبيح الشكل ينشب مخالبه في جذع شجرة عظيمة، يحاول أن يُسقطها ويميلها بقوة، وفجأة ظهر غصن دقيق من تلك الشجرة، فضربه ضربة أوقفته عن العبث، فتحوّل ذاك الحيوان إلى رجل طاهر جالس تحت الشجرة يذكر الله بهدوء وخشوع.

استيقظ أبو حنيفة مضطربًا وهو لم يتجاوز الثانية عشرة، وذهب مباشرة إلى شيخه حماد بن سَلَمَة ليشرح له رؤياه، لكنه ما إن دخل على شيخه حتى فوجئ به شاحب الوجه، يبدو عليه القلق الشديد.

نسي أبو حنيفة أمر رؤياه وسأله:
"ما خطبك يا شيخي؟ أراك مهمومًا!"

تنهد الشيخ حماد وقال:
"استدعاني الخليفة اليوم لأناقش جماعة ينكرون الخالق ويجادلون في وجوده، وأنا والله أخشى أن أقف في موضع لا يليق بجلال الله، فالكلام في ذات الله أمر عظيم."

حين سمع الفتى ذلك قال بثقة وحياء:
"يا شيخي، اتركني أذهب مكانك. إن غلبتهم فذلك شرف لك، وإن عجزت فأنا مجرد تلميذ صغير."

نظر إليه شيخه نظرة طولت ثم قال:
"إن كنت تعزم على ذلك فامضِ ببركة الله."

ذهب أبو حنيفة إلى مجلس الخليفة، فوجد الحاضرين في نقاش محتدم ينتظرون العالم الذي استُدعي للمناظرة. فلما دخل، حيّا الحضور فلم يردّ عليه إلا الخليفة وقلة من خاصته، ثم سأله الخليفة:
"أين شيخمك حماد؟"

فقال أبو حنيفة:
"أرسلني لأقوم مقامه."

تقدّم الفتى وجلس بثبات عجيب بالنسبة لسنّه، فقال كبير المنكرين ساخرًا:
"ولِمَ لم يحضر شيخك؟ أليس أولى بالمناظرة منك؟"

فأجاب أبو حنيفة:
"شيخي شجرة وارفة العلم، وأنتم لستم أهلًا للجلوس بين أغصانها، فأرسلني لأكون حلقة بينكم وبينه."

فأشار الخليفة ببدء المناظرة.

سؤال الملحدين الأول:
"هل رأيت ربك كي تؤمن به؟"

ردّ أبو حنيفة:
"الأبصار محدودة، وربها لا يُدرَك بالعيون، لكنه يدرك كل شيء."

قالوا:
"هات لنا مثالًا من الطبيعة، فنحن لا نناقش إلا بما نرى."

فقال لهم:
"إذا مات أحد بينكم، فإنكم تقولون خرجت روحه… فهل رأيتم تلك الروح وهي تغادر الجسد؟"

قالوا: "لا."
قال: "فإذا كنتم لا ترون مخلوقًا من مخلوقات الله، فكيف تريدون رؤية الخالق ذاته؟"

فسكتوا قليلًا ثم حاولوا استدراك الموقف بسؤال آخر:
"فأخبرنا، في أي جهة يوجد ربكم؟"

فقال أبو حنيفة:
"أينما تولوا فثم وجه الله."

فقالوا: "لا نقتنع بالقرآن، اضرب لنا مثالًا من الطبيعة."

فقال لهم:
"لو كنتم في غرفة مظلمة فأشعلتم مصباحًا، إلى أين يتجه الضوء؟"
قالوا: "يعمّ المكان كله."
قال: "كذلك ربنا، نوره لا يحصره اتجاه."

ثم انتقلوا إلى سؤالهم الأخير:
"تقولون إن الجن خُلقوا من النار، فكيف يُعذب الله النار بالنار؟"

ابتسم أبو حنيفة، ثم مدّ يده إلى قطعة طين كانت على الأرض، وضرب بها رأس أحدهم ضربة خفيفة.
فثار الرجل، فقال الخليفة مستنكرًا:
"ما هذا يا أبا حنيفة؟!"

فقال الفتى:
"هذه قطعة طين، وقد خُلقت من الطين مثلكم، فانظروا كيف آلمت الطين بالطين! فكما يتألم الطين من الطين، تُعذَّب النار بالنار."

عندها عمّ الهدوء المجلس، وانقلبت الدهشة احترامًا، والتفت رئيس المنكرين إلى أبي حنيفة وقال:
"دلّني على شيخك، فقد رغبت أن أكون أحد طلابه."

وبذلك فهم أبو حنيفة معنى رؤياه:
فالحيوان القبيح هو رأس المنكرين، والشجرة هي علم شيخه حماد، والغصن الصغير الذي أوقفه… هو أبو حنيفة نفسه.

إن وصلت إلى هنا، فصَلِّ على النبي ﷺ
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
📌 إذا كنت من محبي القصص والقراءة اعمل متابعة لصفحتنا ليصلك كل جديد لنا.  
________

No comments:

Post a Comment

تعريف الكبائر

  لعل هذا المقطع والتعليقات عليه تدل بما لا يدعو للشك أن غالب الناس لا يملكون متطلبات النقاش العقلاني والمنطقي، منذ أن قاموا ضد محمد شحرور، ...