كفاية التحليل اللساني للنص القرآني
تساءل ساخرًا: كيف تردّون كلّ كلمات التنزيل الحكيم إلى أصلها (جذرها) اللساني، وتنطلقون من المعنى الكليّ للجذر إلى المعنى الجزئي للكلمة؟ أليس هناك معنى عرفي؟ (للشعرى مثلا)، ومعنى اصطلاحي (للصلاة مثلا)؟ أوليس هذا المعنى هو الذي استقرّ في فهم النّاس وقت التنزيل وبعده، فهو إذن ما يجب اتباعه، ولم يبق للمعنى اللساني هنا سلطان عليه؟
فأقول:
1- هذا المنهج يصلح لتحليل أي نصّ أدبي سوى القرآن الكريم؛ لأنّ كلّ كاتب مؤثر ببيئته متأثر بها، أمّا التنزيل الحكيم فقد جاء ليكون عابرًا للزمان والمكان، فلا يصلح والحالة هذه تفسير كلماته بدلالتها العرفية أو الاجتماعية؛ لأنّ ذلك يجعل النص محصورًا على منطقة ما مقصورا على زمان ما، وهذا يتعارض مع مبدأ عالميته.
2- النصّ القرآني محفوظ بالحرف والحركة والسكنة، أمّا المعاني العرفية المزعومة فقد اختلف النّاس فيها حيص بيص، فلو قد أراد الله سبحانه هذا المعنى العرفي لوجدته مضمّنًا في النص القرآني نفسه تضمينًا لا يخفى على متدبر. مثال ذلك (اللات والعزى ومناة)؛ فهي كلمات عربية -لا شكّ في ذلك-، ولها دلالات لسانية كبرى، لكنّ النصّ القرآني قيّد هذه الدلالة بما افترضه عابدوها باعتبارها أسماء للملائكة، ثمّ صوروا لها تماثيل ليستحضروا صورتها، ويقيموا حولها طقوسهم. وقد تكفل التنزيل الحكيم ببيان هذا المعنى العرفي في مواطن عديدة منه بحيث لا يخفى على أي متدبر (رغم أنه خفي على معظم المفسرين). فلا شكّ باعتماد المعنى العرفي والحالة هذه.
أمّا المعاني العرفية التي بنوها على العنعنات والروايات، فليست حاكمة على كتاب الله، ولا سلطان لها البتة على تقييد عموم دلالاته اللسانية.
3- يقال قريب مما سبق في المعنى الاصطلاحي: فالصلاة مثلا، لها دلالتها اللسانية العامة، لكنّ لها صورة اصطلاحية بلا شكّ، غير أنّ هذه الصورة تؤخذ من التنزيل الحكيم نفسه، وليس من شيء آخر خارج عنه، إذ لو كان الأمر كذلك لصار ما هو خارج الكتاب حاكما عليه، وهذا لا يصح عقلا ولا قرآنيا، أما عقلا، فلأنّ موثوقية التنزيل الحكيم أعلى بكثير ممّا دونه، فكيف يجعل ما دونه حاكمًا عليه. وأمّا قرآنيا، فلأنّ الله سبحانه تكفّل بتبيان كلّ شيء في كتابه، وقد أبان تفاصيل دقيقة جدًّا تبدو بدهية في سورة النور 61 مثلا، فكيف يترك تبيان ما هو أقلّ بداهة، مثل موضوع الصلاة المركزي جدًّا في رسالة الله للناس؟
الخلاصة إذن أيها الأعزاء، وأيتها العزيزات أنّ دراسة التنزيل الحكيم لا يصح أن تكون إلا لسانية داخلية عالمية، هي ثلاثة أبعاد لا رابع لها في فهم الكتاب المبين: اللسان العربي، وترتيل الآيات وجمعها، والخروج من هذين المسارين متعاضدين بفهم عالمي.
لمزيد من الفهم لدقائق المنهج اللساني في فهم التنزيل الحكيم، يمكنكم قراءة النسخة الإلكترونية من كتابنا: "القواعد الكبرى للسان العربي المبين"
ومشاهدة الدورة الكاملة في ذلك:
وانتظروا قريبا جدًّا انطلاق الدورة المفصلة لفهم اللسان العربي المبين.
No comments:
Post a Comment