معلومة على الطاير:
إذا سألتَ أغلب المسلمين اليوم: هل التوراة والإنجيل محرّفان؟
سيجيبك كثيرون فورا: نعم، طبعا.
لكنهم لا يعرفون أن هذا جواب شعبيّ مبسّط يردّده العوام اليوم كثيرا بينما علماء الإسلام القدامى لهم رأي آخر. ففي الحقيقة انقسم الفقهاء والمفسرون إلى ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول يرى أن التوراة والإنجيل الموجودين اليوم لم يتغيّر أيّ شيء في ألفاظهما وحروفهما وإنّما التحريف وقع فقط في تفسيرهما، ومن أبرز القائلين بهذا الرأي: الطبري: فسّر قول القرآن {ثم يحرفونه} بمعنى: يبدلون معناه وتأويله ويغيرونه.
البخاري: نُقل عنه قوله في ما معناه: ليس لأحد أن يزيل حرفا في كتاب من كتب الله، ولكن يحرفونه أي يتأولونه على غير تأويله.
الرازي: مال في تفسيره إلى أن المقصود قد يكون تشويش الدلالة وإلقاء الشبهات أكثر من تبديل النص.
--------------------------------------------
أما الاتجاه الثاني فقد رأى أنه يوجد تحريف جزئي أو موضعي قليل جدا بينما أغلب نص التوارة والإنجيل موجود لم يُحرّف.
أبرز الأسماء هنا:
ابن تيمية: صرّح بأن الناس تنازعوا هل وقع التحريف في بعض الألفاظ، ثم قال إن من العلماء من يرى أن المبدّل قليل وهذا عنده أظهر، وأن كثيرا من نسخ التوراة والإنجيل متفقة في الغالب وتختلف فقط في اليسير.
ابن القيم: يرى أن الذي غُيّر ألفاظ يسيرة وأن أكثر الكتاب باقٍ، وصرّح بأن هذا هو اختيار شيخه ابن تيمية.
البقاعي: لخّص المواقف في أربعة معسكرات، وذكر أن من العلماء من يرى أن الفساد أصاب جزءا يسيرا فقط، ونسب هذا الموقف إلى الشافعي.
----------------------------------------------
أما الاتجاه الثالث فيرى أن التحريف وقع في أغلب أو كل التوراة والإنجيل :
أبرز الأسماء هنا:
ابن حزم: من أشهر من شدد في هذا الباب.
ابن كثير: قال عن الكتب التي بأيديهم إنه دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص.
----------------------------------------------------
ولذا فإن المسألة أعقد من مجرد القول إنهما محرفان هكذا بكل بساطة، ولو كانت القضية محسومة بهذه الصورة الساذجة، لما قال القرآن أصلا: {فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} ولما قال: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه}
فالخطاب القرآني نفسه أكثر تعقيدا من الخطاب الشعبوي الذي تردده اليوم كثير من الفضائيات، وما يظنه الناس.
No comments:
Post a Comment