Friday, February 13, 2026

تاريخ المصحف الأخضر



قد لا يخلو بيت مصري من ذاك المصحف الشهير بغلافه الأخضر، الذي رأيناه لأول مرة رفقة أهلنا العائدين من رحلات الحج والعمرة.
يعد مصحف المدينة المنورة – التسمية الرسمية للمصحف -  هو الإنتاج الرئيس لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، عندما خرجت أول نسخة منه عام 1985.

وزعت نسخ المصحف مجاناً على زوار بيت الله الحرام، فأكتسب شيوع وأنتشار فى كافة أرجاء العالم الإسلامي.
مصحف ملون فاخر الطباعة، منسوب إلى مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام، يحمل رائحة الأراضي المقدسة؛ هي خلطة كاملة الأركان للأيقنة، وأعتباره المصحف الرسمي لمسلمي الكرة الأرضية. 

فهل سألنا أنفسنا يوماً .. كيف وصلنا إلى مصحف المدينة؟

كان مصحف المدينة بمثابة مشهد النهاية لحكاية طويلة ومثيرة، لم تجد من يرويها حتى جاء جمال عمر، الذي قرر تتبع تفاصيل تلك الحكاية فى مسار عكسي من النهاية إلى البداية، راصداً المحطات البارزة قبل الوصول لمصحف المدينة، فى كتاب بعنوان "تاريخ المصحف الحالي". 

يشير عمر إلى التقرير المنشور فى خاتمة مصحف المدينة، الذي يوضح أن المصحف الذي بين أيدينا هو ثمرة لجنة شكلت لهذا الغرض، ضمت 16 عضو (10 مصريين – 5 سعوديين – سوادني) وترأسها الشيخ/ عامر السيد عثمان – شيخ عموم المقاريء المصرية (1900 – 1988).
وتركز عمل اللجنة على إدخال بعض التنقيحات والتعديلات البسيطة، وكذا تطوير عدد من المعايير التى تم اعتمادها فى مصحف أسبق فى الظهور، ويعد بدوره أحد المحطات البارزة فى رحلة النشر المؤسسي للمصحف الشريف، وهو مصحف القاهرة 1952.

كان أبرز تلك التعديلات هو تحديد صفحات كل جزء بعدد 20 صفحة، ما أضفى إنتظاماً وتكراراً وسيميترية على المصحف، وكان من أثار هذا التعديل اختلاف عدد الصفحات، فقد بلغ عدد صفحات مصحف المدينة 604 صفحة، في حين بلغ عدد صفحات مصحف القاهرة 827 صفحة.

وبحسب جمال عمر فقد ظهرت طبعة القاهرة 1952 نتيجة لدعوة من دار الكتب المصرية إلى الأزهر الشريف بضرورة تشكيل لجنة جديدة لإعادة تقييم وتعديل اختيارات لجنة أسبق أثمرت أعمالها عن مصحف أقدم ومؤسس هو مصحف القاهرة 1924.

وأدخلت لجنة 1952 تعديلات دقيقة لكنها جوهرية على مصحف القاهرة 1924 شملت:
• إعادة كتابة كلمة "كلمت" بالتاء المبسوطة بدلًا من التاء المربوطة في سورة الأعراف.
• تنقيح علامات التشكيل وتوحيد المعلومات الواردة في بداية كل سورة.
• تغيير أكثر من 800 موضع للوقف والوصل، بناءً على اجتهادات جديدة في فهم المعاني القرآنية.
 يرى جمال أن طبعة 1952 رسخت مكانة مصحف القاهرة كمرجع أساسي، بعدما أصبحت هي النسخة المعتمدة والمعيارية للمصحف الشريف،  والتي قامت العديد من الدول الإسلامية لاحقًا بطباعة مصاحفها على أساسها.

أما مصحف القاهرة 1924 المعروف بمصحف المساحة أو "المصحف الأميري" فيعد نقطة تحول فارقة فى تاريخ المصحف المطبوع، فقد كان أول مصحف فى التاريخ الحديث يتم إخراجه من خلال لجنة رسمية أتبعت منهجية علمية صارمة، وقامت بوضع معايير دقيقة وواضحة للرسم والضبط والعدّ، ووثقت اختياراتها في تقرير مفصل أُلحق بالمصحف.

أبرز تلك المعايير هى اعتماد رواية حفص عن عاصم بوصفها الرواية الأكثر انتشاراً، المعتمدة فى الدولة العثمانية، بالإضافة إلى ترجيح مذهب أبي داوود سليمان بن نجاح فى الهجاء والرسم، وكذا ضبط التشكيل على طريقة المشارقة المأخوذة عن الخليل بن أحمد الفراهيدي، نهاية باعتماد العدّ الكوفي المروي عن الإمام الشاطبي فى منظومته الذى يجعل عدد آيات القرآن 6236 آية. 
وتجدر هنا الإشارة إلى رمزية تواريخ إصدار المصاحف المصرية، الذي يربط عملية إصدار المصاحف بالحراك السياسي وما يصاحب ذلك من تغييرات أجتماعية وثقافية. 

فمصحف 1952 جاء رفقة واقع سياسي واجتماعي ساخن جداً، توج بحركة الضباط الأحرار وعزل الملك فى يوليو 1952. 

بينما تزامن ظهور مصحف القاهرة 1924 مع أعلان فبراير 1922 المتضمن استقلال البلاد عن انجلترا وإعلان المملكة المصرية، وكذا سقوط الخلافة العثمانية فى 1924 وسعي الملك فؤاد للعب دور قيادي فى العالم الإسلامي.

فى حين كان السبب الموضوعي هو رؤية "نظارة المعارف المصرية" نحو ضرورة وجود نسخة موحدة وموثوقة من المصحف لتوزيعها على الطلاب. 

يلقى الكتاب نظرة هامة إلى ما قبل مصحف القاهرة 1924، والذي يطلق عليه عصر المبادرات الفردية والطباعة الأهلية، حيث شهد جهود فردية قام بها علماء  وخطاطون وأصحاب مطابع، ما أدى إلى تنوع كبير فى الطبعات المتداولة وظهور اختلافات فى الرسم والضبط وعدّ الآيات. 

وتبرز هنا نماذج شهيرة مثل مصحف الشيخ رضوان المخللاتي (1890) الذي أبتكر فيه نظامًا خاصًا لعلامات الوقف (ت، ك، ح، ص، ج، م)، كما أعتمد عدًّا مختلفًا لآيات بعض السور، فبلغ عدد آيات سورة البقرة في مصحفه 280 آية. 

وهناك أيضاً مصحف (1911) المطبوع فى مطبعة أهلية بالدرب الأحمر بالقاهرة على نفقة شخص يدعى عبد الرحمن محمد، والذى استخدم هجاءً أقرب إلى الإملائي القياسي في بعض الكلمات (مثل كتابة كلمة "الكتاب" بالألف الصريحة)، كما طُبع في عدد صفحات أقل (حوالي 520 صفحة) بهدف تقليل تكلفة الإنتاج وجعله في متناول الجميع.

وكشفت تلك النماذج بتنوعها على أهمية الحاجة الماسة إلى وجود عمل مؤسسي موحد، وهو ما تحقق لاحقاً فى المصحف المؤسسي الأول مصحف القاهرة 1924، الذي يعد بحق تتويجاً للمساعي البشرية نحو توحيد شكل النص المقدس. 

يميل جمال عمر إلى اعتبار أن الجهود المصرية التى أسفرت عن ظهور مصحف القاهرة 1924، تعد بمثابة الجمع الثالث للمصحف الشريف، بعد الجمع الأول فى عهد أبو بكر الصديق، والجمع الثاني فى عهد عثمان بن عفان. 

كما يلفت النظر إلى ملاحظة هامة فى المقدمة التعريفية التى حرصت اللجنة على تصدير المصحف بها "كتب هذا المصحف وضبط على ما يوافق رواية حفص عن عاصم"، بمعنى أن المصحف لم يعتمد على نسخ مكتوبة، بل أنه منقول بالرواية الشفاهية اعتماداً على سلسلة من الرواة المصريين الأوائل – أبرزهم الشيخ رضوان المخللاتي والشيخ المتولى – ممن يتصل سندهم بالرسول عليه الصلاة والسلام. 

كله هذا وأكثر تجدونه فى كتاب جمال عمر "تاريخ المصحف الحالي" الذى أعده للنشر الأستاذة/ سماء معاية. 

الكتاب صغير الحجم ولغته بسيطة، لكنه ممتع للغاية وعميق الأثر، وزاخر بالمعلومات الجديدة جداً والمهمة جداً فى نفس الوقت. 


No comments:

Post a Comment

تعريف الكبائر

  لعل هذا المقطع والتعليقات عليه تدل بما لا يدعو للشك أن غالب الناس لا يملكون متطلبات النقاش العقلاني والمنطقي، منذ أن قاموا ضد محمد شحرور، ...