أتألم وأنا أرى الناس يفكرون بالطعام كثيراً ، إذ يستطيع الإنسان أن يتناول وجبة ممتازة بأقل التكاليف . و اعجب كيف يحشو الناس بطونهم بأنواع الطعام المختلفة ؛ إنهم يعرضون أجسادهم للأمراض و البدانة و البلادة الذهنية .
و قد وجدت أن الذين يهتمون بالطعام كثيراً تقل فاعليتهم الروحية ، و تتلبد أذهانهم ، إذ كيف يمكن أن يعمل العقل بشكل سليم واضح و نقي إذا كان الجسد منهمكاً بالمأكولات الثقيلة ؟ و كيف يمكن أن تعمل الروح في حقلها اذا كانت مقيدة بجسد تعب و نهم و مريض ؟ و كيف يمكن أن تهدأ الأعصاب و تشعر بالسكينة إذا كانت الأعضاء منهمكة في تحقيق ملذاتها و إحساساتها ؟
علمت أن الطعام القليل يتناسب مع رقي الإنسان . فالإنسان ، الذي يتناول القليل من الطعام ، ينتصر على شهوة المعدة التي لا تعقل و لا تعي . و قد تأكدت من هذه الحقيقة عندما رأيت الناس يتحدثون عن الشهية كأنها عمل من أعمال العقل ، فعلمت أن الشهية سلوك انفعالي و ذلك لأن المعدة لا تكتفي إلا عندما نسلط إرادتنا . و نظرت إلى بطون الكثيرين فوجدتها منتفخة و مريضة . و كيف انتفخت هذه المعدة و تجاوزت حجمها الطبيعي ؟ و عندئذ تيقنت أن القليل من الطعام يتناسب مع الفضيلة . و علمت أن الناس لا يدركون قيمة الصوم ، فهم يأخذونه على أنه واجب تافه ، فيأكلون أثناءه أكثر من أي وقت آخر .
الصوم عمل روحي بحت يهدف إلى تنقية الجسد من أدرانه و اوساخه .
من كتاب بحوث فلسفية
للأستاذ ندرة اليازجي ص . 132 و 133
No comments:
Post a Comment